محمد حسين هيكل
283
حياة محمد ( ص )
ومارية وإفضاء حفصة إلى عائشة بما عاهدت النبيّ أن تكتمه ، سبب الذي وقع ؛ ليحاولوا بذلك أن يضيفوا جديدا لما يلقون في روع قرائهم عن النبيّ العربي من أنه كان رجلا محبّا للنساء حبّا معيبا . وعندي أن المؤرّخين المسلمين لا عذر لهم في إغفال هذه الوقائع ولها مغزاها الدقيق الذي سقنا شيئا من أمره ، وأن المستشرقين يتخطّون الدقة التاريخية متأثرين في ذلك بهواهم المسيحيّ . فالنقد التاريخي النزيه يأبى كل الإباء على أيّ إنسان ، بله عظيم كمحمد ، أن يجعل من إفضاء حفصة لعائشة بأنها وجدت زوجها في بيتها مع مولاة له هي ملك يمينه ، فهي بذلك حلّ له ، سببا لهجر محمد نساءه جميعا شهرا كاملا ، وتهديده إياهنّ جميعا بأن يطلقهنّ . والنقد التاريخي النزيه يأبى كذلك أن تكون حكاية العسل سبب هذا الهجر والتهديد . فإذا كان الرجل عظيم كمحمد ، رقيقا كمحمد ، واسع الصدر طويل الأناة متصفا بما لمحمد من سائر الصفات التي يقرّ لها بها مؤرخوه جميعا على سواء ، كان اعتبار أيّ الحادثين لذاته سببا لهذا الهجر والتهديد بالطلاق مما يزورّ عند النقد التاريخيّ وينأى عنه بجانبه أشدّ النأي ، وإنما يطمئن هذا النقد ويستقيم منطق التاريخ إذا سيقت الحوادث المساق الذي لا مفرّ معه من أن تؤدّي إلى نتائجها المحتومة ، فتصبح بذلك أمورا طبيعيّة يسيغها العقل ويرضاها العلم . وما فعلنا نحن هو في نظرنا المساق الطبيعيّ للحوادث ، وهو الذي يتفق مع حكمة محمد وعظمته وحزمه وبعد نظره . دفع اعتراض المستشرقين ويتحدث بعض المستشرقين عما نزل من الآيات في مستهلّ سورة التحريم مما نقلنا هنا ، ويذكر أن كتب الشرق المقدّسة جميعا لم تشر إلى مثل هذا الحادث المنزليّ على هذه الصورة . وما أحسبنا في حاجة إلى أن نذكر ما ورد بالكتب المقدّسة جميعا ، والقرآن من بينها ، عن قوم لوط ونقيصتهم ، وما كان من مجادلتهم الملكين ضيفي لوط ، ولا ما ورد في هذه الكتب عن امرأته وأنها كانت من الغابرين . بل إن التوراة لتقص نبأ ابنتي لوط ، إذ سقتا أباهما حتى ثمل ليلتين متتاليتين ليمسّ كلّ واحدة منهما ليلة كيما يخصبها فتلد ، مخافة فناء آل لوط بعد أن أنزل اللّه بهم من الجزاء ما أنزل . ذلك بأنّ الكتب المقدّسة جميعا جعلت من قصص الرسل وسيرهم وما صنعوا وما أصابهم عبرة للناس . وقد جاء في القرآن كثير من ذلك ، قصّ اللّه فيه على رسوله أحسن القصص . والقرآن لم ينزل لمحمد وحده ، وإنما نزل للناس كافة . ومحمد نبيّ ورسول خلت من قبله الرسل الذين قصّ القرآن أخبارهم . فإذا قصّ القرآن من أخبار محمد وتناول من سيرته ليكون للمسلمين مثلا ، وليكون للمسلمين فيه أسوة حسنة ، وأشار إلى حكمته في تصرّفاته فلا شيء من ذلك يخرج عما أوردت سائر الكتب المقدّسة وما أورد القرآن من سير الأنبياء . فإذا ذكرت أن هجر محمد نساءه لم يكن لسبب منفرد من الأسباب التي رويت في شأنه ، ولم يكن لأن حفصة أفضت إلى عائشة بما فعل محمد مع مارية مما يحقّ لكل رجل مع أزواجه وما ملكت يمينه ، رأيت في هذه الملاحظة التي يبديها بعض المستشرقين ما لا يثبت أمام النقد التاريخي ، ولا يتفق مع ما جرت به الكتب المقدّسة في شأن الأنبياء وحياتهم وأخبارهم .